عام المتاحف الصغيرة - أسماء عزايزة
الأصداء التي يخلّفها وقع الأجساد على سطح الماء، أصوات "المعالجات المائية" المترددة في هذا المكان المسقوف، بلا نافذةٍ واحدة، تصنع ضجيجًا أشبه بيوم القيامة. هنا، لا أفكر إلا بالموت، كلما رافقت أبي وقدمه الزاحفة، أو أمي وظهرها المائل، وكأن الماء مرآةٌ تعكس وجوه الغياب قبل أن يحين أوانه.
لا أعرف إن كان هذا الهوس بالموت نابعًا من خوفي عليهما، أم من خوفٍ أعمق، خوفٍ من الماء ذاته. لطالما راودني ظنٌّ بأنني متُّ غرقًا في حياةٍ سابقة، ربما لهذا كنت أخشى لحظة الاغتسال في طفولتي، كنت أرتجف تحت سيل الماء المنهمر على وجهي، كأنه يسحبني إلى أعماقٍ بعيدة. وربما، حتى في أكثر المشاهد بُعدًا عن الموت، يجد الموت طريقه ويحضر. أمي تسبح، رقبتها الغضّة مكشوفة، تخفي تجاعيد وجهها تحت الماء، فتبدو من الخلف كصبيةٍ عشرينية. لكني لا أرى فيها سوى ظلّ الغياب القادم، أو ملامح جدتي التي رحلت بالسلِّ حين كان أبي في السادسة. لم يبقَ له منها سوى رائحتها العالقة في الذاكرة، وطفلٌ صغير لم ينعم يومًا بوجهها.
عدد الصفحات: 184
تعذر تحميل معلومات توفر الاستلام
